سناء يونس.. إنسانة عاشت للحب وبالحب

 

هل تعد الزوجة الثانية خطافة رجالة أو خرابة بيوت؟ سؤال غريب ظل يطاردنى طوال فترة عيد الفطر المنقضى، بعدما ذهبت فى زيارة لقريتنا الصغيرة بمحافظة الشرقية، وعرفت بخبر قيام زوج إحدى قريباتى بالزواج عليها، رغم أنه أمضى معها ما يزيد على 15 عاماً لم تغضب خلالها ولو مرة واحدة، وكانت له الأم والزوجة المخلصة، وأنجبت منه أربعة أولاد مجتهدين فى دراستهم، وفوجئتُ باللعنات تنزل على رأس الزوجة الثانية، وأهلها الذين لم يعلموها ألا تكون خطافة رجالة وخرابة بيوت.

موضوع الزوجة الثانية هذا كان مثار حديث العائلة بأكمله طوال فترة العيد، فما من بيت أدخله إلا ويُفتح الموضوع، وكالعادة ينتهى بتوجيه الاتهامات للزوجة الجديدة بأنها خربت البيت، خاصة بعد أن رفضت الزوجة الأولى فرض الأمر الواقع، وذهبت إلى بيت أهلها، وسرحت برأسى أفكر فى الأمر من وجهة نظر أخرى.. فهل الزوجة الثانية فعلاً خرابة بيوت وخطافة رجالة؟ ألا يمكن أن تكون سبباً فى عمار هذا البيت وسعادة كل من فيه بمن فيهم الزوجة الأولى نفسها.

عن العشق والهوى

لن أتكلم من الناحية الدينية أو الشرعية، ولن أحلل أو أحرم الزواج الثانى، ولن أدافع عن الزوجة الثانية، فلكل حالة وضعها الخاص، ولكنى سأسرد بعض النماذج التى كانت فيها الزوجة الثانية سبب نجاح الزيجة الأولى واستمرارها، أولها القصة الشهيرة التى رصدها السيناريست تامر حبيب فى فيلمه «عن العشق والهوى»، من خلال شخصية أحمد السقا الذى تزوج من «بشرى» خلال أحداث العمل، وعاش معها حياة مملة بائسة، فهى لا تفهمه ولا تشعر به أو بوجوده، ولا تهتم بعمله أو بنجاحه أو مشاكله.

وحدث أن دخلت حياته منة شلبى، سكرتيرته النشيطة المجتهدة الحنونة التى تنظم له حياته وأمور عمله، ليحبها ويتزوجها، خاصة بعد أن وجد فيها السند والظهر، الإنسانة التى تفهمه، وترتب له حياته، حتى علاقته بزوجته الأولى كانت ترتبها وتجمّلها لدرجة تذكرها موعد ذكرى زواجه من الأولى، وتشترى لها هدية، وتحجز لهما تورتة الاحتفال، فهذه الزوجة الجديدة كانت سبباً فى سعادة الأولى التى شعرت بالفرق الكبير فى المعاملة والاهتمام من قبل زوجها.

الحب أفعال

ربما سيقول البعض الآن، إنَّ ما حدث فى الفيلم كان مجرد تمثيل وأحداث غير منطقية نسجها المؤلف من وحى خياله، ولكن الواقع يقول عكس ذلك، فهل تصدقون أن حب فتاة لأستاذها وعشقها له ولشخصيته يدفعها لأن تضحى بحياتها ومستقبلها من أجله، وتقبل أن تكون زوجة ثانية له، وفى السر، وتقوم بعمل كل ما فى وسعها لتسعد زوجته الأولى، ولا تشعرها بأى شىء، والأدهى من ذلك كله ألا تعلن عن هذا الزواج عقب وفاته؛ خوفاً على شعور زوجته الأولى وأحاسيسها.

نعم يوجد فى دنيانا التى انتشر فيها الزيف والطمع واستغلال مشاعر الناس بعض من تلك النماذج، المؤمنة بالحب، العاشقة لحبيبها، المضحية بكل غالٍ ونفيس من أجله، مثل الفنانة سناء يونس التى عاشت للحب وبالحب وضحت بكل شىء من أجل حبيبها وهذه هى القصة الثانية.

ولمن لا يعرف القصة، فقد وقعت الفنانة سناء يونس فى حب أستاذها الفنان محمود المليجى، وأعجبت بشخصيته الهادئة الرصينة، وسيطر عليها بعطفه وحنانه، فلم تتمالك نفسها، ووافقت على طلبه بأن يتزوجها فى السر، واكتفت بأن تكون معه وأن يظلل عليها بحبه، بل وبدأت فى عمل كل شىء وأى شىء؛ حتى تضمن له استقراره فى حياته وسعادته مع زوجته الأولى الفنانة علوية جميل.

وعلى الرغم من وجود اعتقاد لدى أغلب العاملين فى الوسط الفنى أن «سناء» لم تتزوج، لكنَّ الحقيقة أنها تزوجت من «المليجى» فترة طويلة فى السر، ولم يُعرف هذا السر إلا بعد وفاته بفترة وليس عن طريقها، وإنما عن طريق الناقد طارق الشناوى الذى كان شاهداً على الواقعة، وذكرها فى أحد مقالاته بـ«جريدة الشروق».

بداية القصة

وبدأت قصة الحب خلال تصوير مسلسل «ظلال السنين» الذى شاركت فيه «سناء» بدور صغير بجوار العملاق محمود المليجى؛ حيث رأت فيه الأب والأستاذ الذى يوجهها، ويقف بجانبها لتقدم أفضل ما لديها، لتتطور العلاقة بينهما، ويتقربا من بعضهما البعض، ليجد هو فيها الصدر الطيب الحنون الذى يستمع له وإلى مشاكله وتحاول حلها، ومساعدته على تحمل شدة طباع زوجته الفنانة علوية جميل التى كانت قوية الشخصية وحادة الطباع.

اتفق «المليجى» و«سناء» على الزواج فى السر خوفاً على مشاعر زوجته الأولى، ولكى لا يخرب البيت، فوافقت بسبب شدة حبها له، وكان ذلك أثناء عرض مسرحيتها «عيب يا آنسة»، واستمرت الحياة بينهما سنوات دون أن يعرف أحد عن تلك الزيجة شيئاً، فقد كانت حريصة على أن تستمر حياته بشكل هادئ وطبيعى، وألا تسبب له أى مشاكل مع زوجته الأولى.

حكاية العانس

كلمة «عانس» من أصعب الكلمات التى تسمعها أذن أى فتاة، فهى كالوصمة التى تسبب أذى نفسياً كبيراً للفتاة وعائلتها، وهو ما لم تشعر به سناء يونس، والتى كانت تقال لها وعنها طوال الوقت، فقد ارتضت أن يرتبط اسمها بلقب العانس، ولا تفشى خبر الزواج من «المليجى»، ولم تستغل اسمه ولا تاريخه لا فى حياته كى تعمل وتذهب لها أدوار بطولة فى أفلام ومسرحيات، ولا بعد مماته، فقد صانت عهدها معه وحفظت السر حتى وفاتها.

وأذكر أنى التقيت الفنانة سناء يونس مرة واحدة ووحيدة عام 2005، وقت عرض فيلم «أحلام عمرنا» الذى شاركت فى بطولته مع مجموعة من الفنانين الشباب وقتها مصطفى شعبان، منى زكى، منة شلبى، رامز جلال الذى قدمت شخصية والدته خلال الأحداث، وقتها أجريت لقاء صحفياً معها، تحدثت فيه عن الفيلم وأعمالها الفنية فقط؛ حيث رفضت الحديث بأى شكل من الأشكال عن حياتها الشخصية أو أى تفصيلة بعيدة عن أعمالها الفنية.

الأصل غلّاب

تصرف الفنانة سناء يونس الإنسانى جعلنى أبحث عنها وعن حياتها، فقد ولدت يوم 3 مارس من عام 1942 بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، وعاشت هناك وسط أهلها الطيبين، تتعلم منهم التسامح والحب والكرم المشهورين بها، لتحصل على الثانوية العامة، ويوجهها مكتب التنسيق إلى كلية الآداب بجامعة الإسكندرية؛ حيث اختارت قسم الاجتماع لتدرس فيه، وتعرفت هناك على زملاء جدد فتحوا أمامها باباً لم تكن تتوقعه أو تحلم به من قبل وهو التمثيل.

بدأت علاقة سناء بالفن والتمثيل فى الإسكندرية، بلد المسرح والتى ما زال أهلها حتى الآن يتابعونه بشغف على عكس أبناء القاهرة، وفى مسرح الجامعة تعرفت على عدد من زملائها الذين شجعوها على خوض التجربة، ووجدت فيها متنفساً تقضى به وقت فراغها، فتعلمت ودرست وشاركت فى عدد كبير من الأعمال المسرحية، خلال فترة دراستها الجامعية.

بداية النجومية

نجاح «سناء» كممثلة كوميدية فى مسرح الجامعة، فتح لها طريق النجومية؛ حيث شاركت عام 1965 فى مسرحية «حلمك يا شيخ علام»، ومنها لمسرحية «حالة حب»‏ عام 1967، لتدخل السينما فى العام نفسه بفيلم «إضراب الشحاتين» الذين شاركت فى أحد أدواره مع الفنانين الراحلين لبنى عبدالعزيز، وكرم مطاوع.

لفتت «سناء» الأنظار إليها بموهبتها وقدرتها الكبيرة على تجسيد كل الأدوار، حتى التراجيدية كانت تغلفها بلمسة كوميدية، لتنطلق بعدها وتشارك فى عدد كبير من الأعمال المهمة فى السينما والمسرح والتليفزيون التى ما زال الجمهور يذكرها لها مثل دورها فى «أفواه وأرانب»، والدادة فى «آخر الرجال المحترمين»، و«زينب» فى فيلم «الجوع»، و«فوزية» فى فيلم «العصابة»، و«رتيبة» فى «الزوج أول من يعلم»، و«عطيات» مساعدة الفنانة فى مسلسل «البشاير»، ودور مديرة الملجأ فى مسرحية «هالة حبيبتى»، و«فوزية» فى مسرحية «سك على بناتك».

مذيعة تليفزيون

وبعيداً عن التمثيل فى السينما والتليفزيون والمسرح، فقد خاضت سناء يونس تجربة العمل كمذيعة تليفزيونية؛ حيث قدمت خلال مشوارها برنامجين؛ الأول عبر شاشة قناة «دبى» الفضائية من خلال برنامج «على المكشوف‏»، ‏والثانى كان على قناة النيل للمنوعات من خلال برنامج‏ «سناء يونس دوت كوم»، وكلاهما حقق نجاحاً كبيراً وجماهيرية عريضة عند عرضهما؛ حيث استغلت خفة دمها المعهودة فى حكى المواقف والحكايات خلال البرنامج.

ضرب فؤاد المهندس

وإذا كانت الفنانة سناء يونس قد نجحت فى السينما والتليفزيون، لكنَّ المسرح كان له مكانته الخاصة عندها وعند جمهورها الذى ما زال يتذكر كل إفيهاتها وقفشاتها الكوميدية، خاصة فى مسرحية «سك على بناتك»، وبخاصة مشاهد ضرب الفنان فؤاد المهندس لها طوال المسرحية؛ حيث قامت بحيلة ذكية كى تحمى نفسها من ألم الضرب بأن لفت نفسها بأقمشة على منطقة المؤخرة؛ لكى تخفف من ألم الضرب.

وحكايتها مع إجلال زكى

«ما عدوك إلا ابن كارك».. مثل شهير يتداوله أبناء المهنة الواحدة، ليعبروا عن كره زملاء العمل لبعضهم البعض؛ بسبب المنافسة على الأفضل، وهو ما نفته الفنانة إجلال زكى التى قدمت شخصية «نادية» فى مسرحية «سك على بناتك» عن سناء التى وصفتها بالفلاحة الأصيلة التى سيطر عليها الطيبة والكرم والجدعنة، ولم تشعر بالغيرة أو المنافسة مع أى فنانة كانت.

وذكرت «إجلال»، فى لقاء صحفى معها بمجلة روز اليوسف، أن «سناء» لم تكن كوميدية فى حياتها الطبيعية، بل كانت تحتفظ بطاقة الكوميديا بداخلها لتقوم بتفريغها على المسرح؛ حتى لا تحرم مشاهديها من الضحك، كما كانت إنسانة محترمة وملتزمة ولم تشعر يوماً بأنها من أفضل نجوم الكوميديا فى العالم العربى، بل كانت متواضعة لأقصى درجة وتساعد كل من حولها.

وحكت «إجلال» عن موقف جمعهما خلال المسرحية؛ حيث كان الفنان فؤاد المهندس سيقوم بضربها، وكانت «إجلال» وقتها تقدم برنامج أطفال، وتناقشت مع الفنان فؤاد بخصوص مشهد الضرب، وتفهم أن الأطفال الذين يعتبرونها قدوة لهم يجب ألا يشاهدوها فى هذا الموقف، حتى ولو كان على سبيل الكوميديا، ووقتها تدخلت «سناء» وتلقت الضرب مكانها، وأنقذت الموقف.

خدمة أمينة رزق

ولأن الإنسانية لا تباع ولا تشترى، فقد ضربت «سناء» أكبر مثال على أنها إنسانة عاشت للحب وبالحب، فبعدما شعرت الفنانة الراحلة أمينة رزق، وهى فى عمر الـ91 عاماً، بآلام كبيرة فى منطقة البطن، وكانت سناء إحدى المقربات إليها؛ حيث كانت تعتبرها فى مكانة والدتها، فذهبت معها إلى الطبيب الذى أكد لها أنه لا بد من استئصال المرارة وفوراً حتى لا تتضاعف الآلام وربما يكون هناك مضاعفات خطيرة.

وبحكم السن الكبيرة للفنانة أمينة رزق، فقد رفضت إجراء العملية الجراحية، لولا محايلة سناء يونس لها، ونصبها كميناً مع الطبيب؛ ليقوم بإجراء الجراحة، وتظل معها فى المستشفى تسهر على راحتها، وتلبى لها كل احتياجاتها من لحظة دخولها لإجراء الجراحة وحتى انتهاء العملية وعودتها لمنزلها مرة أخرى.

عاشقة البولوتيكا

وقد لا يعرف الكثيرون، أن الفنانة الكوميدية سناء يونس كانت عاشقة للسياسة والبولوتيكا، حيث كانت إحدى المشاركات البارزات فى المنتديات السياسية والمؤتمرات الجماهيرية المتعلقة بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومناصرة الشعبين الفلسطينى والعراقى، وهو ما جعلها تعيش محبوبة من رموز وجماهير التيارات السياسية المختلفة، كما كانت على صلة وثيقة بعدد من الرموز الفكرية والمثقفين والكتاب.

اعتزال الفن

وحدث أن أعلنت الفنانة سناء يونس اعتزال الفن، عقب وفاة والدتها التى كانت قدوتها وملاذها الأخير فى الحياة، وظلت مكتئبة حزينة عليها، إلى أن أقنعتها الكاتبة سناء البيسى بالعودة للفن، واستكمال رسالتها فى تقديم أعمال محترمة للجمهور، فاقتنعت وكانت عودتها من خلال فيلم «زواج بقرار جمهورى» الذى قام ببطولته هانى رمزى، وحنان ترك.

التكريمات

ورغم موهبتها الكبيرة وأدوارها المؤثرة التى تبعث البهجة فى نفوس المشاهدين، فإنَّ الفنانة سناء يونس قد طالها الظلم وعدم التقدير؛ حيث لم تحصل سوى على عدد محدود من الجوائز، والتى كان أهمها عام 1992 وهى جائزة أفضل دور ثانٍ من مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول حوض البحر المتوسط عن دورها فى فيلم «الفضيحة».

الوفاة

وفى 20 مايو من عام 2006 توفيت الفنانة سناء يونس فى مستشفى كليوباترا عن عمر ناهز 64 عاماً بعد معاناة مع المرض، وشيعت جنازتها من مسجد مصطفى محمود، وأقيم العزاء بمسجد الحامدية الشاذلية وسط حضور كبير من جمهورها ومحبيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*