الإيجار القديم .. نهاية القصة في 15 كلمة بحكم الدستورية

منذ أكثر من أربع سنوات وبينما كانت تدور رحى المعركة الإنتخابية لإنتخاب أعضاء مجلس النواب، كان مالكي العقارات الخاضعة لقوانين إيجار الأماكن الإستثنائية يتطلعون بشغف لمن يوصل قضيتهم للحل من خلال البرلمان، وكان من بين الفائزين من إستخدم القضية المعروفة بالإيجارات القديمة في برنامجه الإنتخابي ووعد بالعمل على إنهاء هذه الأزمة التشريعية التي أضرت وتضر بكلا الإقتصادين سواء العام أوالفردي الخاص، وقد صدق منهم من صدق وتبدلت بالأفعال أقوال الأخرين.

كان الأمل يعلو ويتجدد مع كل دور إنعقاد ثم يوصل بأمل في الدور الذي يليه حتى جاء دور الإنعقاد الرابع الذي إرتفعت فيه حرارة الأمل لأعلى مستوياتها، ففيه تواجه الندان المستفيد والمضار على جميع المستويات حتى داخل قاعات وأروقة البرلمان وبعد أن كنا قاب قوسين أو أدنى من ولادة تشريع جديد يعيد بعض الحقوق لأصلها تم الإرجاء للدور الخامس والأخير في هذه الدورة التشريعية، وكان التشريع مُلِح في ضوء حكم المحكمة الدستورية يوم 5 مايو 2018 والذي قضى بعدم دستورية تقيد حق المؤجر في طلب إخلاء المستأجر للعين المستأجرة حتى ولو إنتهت المدة المتعاقد عليها كما هو منصوص عليه في صدر المادة 18 من القانون 136 لسنة 1981 ، وقد تقدمت الحكومة متمثلة في وزارة الإسكان بمشروع قانون للبرلمان في شأن العقود المبرمة مع الجهات الإعتبارية غير السكنية توافقاً مع ما جاء في منطوق حكم المحكمة الدستورية حيث كانت الدعوى مقامة ضد جهه إعتبارية غير سكنية.

قد رأى قسم التشريع بمجلس الدولة في المشروع المقدم من الحكومة شُبهة عدم دستورية لعدة أسباب ذكرها التقرير المقدم من مجلس الدولة وكان منها أن هناك شبهة مخالفة دستورية، في تطبيق القانون على الأشخاص الاعتبارية دون الأشخاص الطبيعيين، لافتا إلى ضرورة تطبيق مبدأ المساواة وصون الملكية الخاصة، فقد وجدوا في المشروع المقدم عدم تكافؤ في المعاملة مع أصحاب المراكز القانونية المتكافئة، وكان يتعين على المشروع من وجهة نظر دستورية أن يعطي الحقوق ذاتها لأصحاب المراكز المتحدة دون تمييز، وأكد على صيانة الملكية الخاصة.

كلنا نذكر موقف الدكتور علي عبد العال رئيس البرلمان الذي أبى أن يخرج من بين يديه قانون به شبهة عوار دستوري، وكيف لمثل قامته القانونية أن يقبل بهذا العوار وهو أستاذ القانون الدستوري, ونذكر أيضاً كلمات المتحدث الرسمي للبرلمان النائب الدكتور صلاح حسب الله في خطابه الأخير الذي ألقاه في ختام دور الإنعقاد الرابع إذ وعد بمناقشة هذه القضية التشريعية كاملة بكافة جوانبها في دور الإنعقاد الخامس.

ورغم علم كافة الجهات المعنية بضرورة التغيير وسلبيات الإبقاء على هذه القوانين وما يترتب على هذا من إضاعة الأموال سواء على المستوى العام أو الخاص فضلاً عن الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن إنهيار تلك العقارات بسبب عدم إمكانية الإحلال والتجديد وغيرها الكثير من الأضرار، نجد تناقضاً بين سخونة الموقف في نهاية دور الإنعقاد الرابع وبرودته التي تصل لحد التجاهل التام للأمر منذ بداية دور الإنعقاد الخامس، فبعد بزوغ فجر الأمل في عودة الحقوق لأصحابها تسلل ظلام اليأس لنفوس الكثير من أصحاب العقارات الخاضعة للقوانين الإستثنائية من جديد.

 كاد يتملكني ذلك اليأس، ورغم هدوئي الظاهرى ثار بركان غاضب داخلي، دفعني للبحث والتفكير فهي قضية عمري التي أؤمن بعدالة مطلبها، ورغم أنني لست قانوني، إلا أنني وجدت بداخلي ما يدفعني للبحث والتدقيق، ومع ترتيب الأوراق ظهر خيط نور من خمسة عشرة كلمة أكاد أجزم بأنها حل المعضلة بإذن الله.

فالتقييد في عبارة «لا يجوز»بنص المادة 18 من القانون 136 لسنة 81 هو إستثناء من الأصل العام الذي ينظم العلاقة الإيجارية  بالقانون المدني حيث أنه الأساس في تنظيم تلك العلاقة وليست القوانين الخاصة.

فبهذا الإستثناء الوارد بنص المادة 18 إنتُزع حق أصيل «هو في الأصل جائز ومباح» للمؤجر في طلب إخلاء العين لأي سبب أياً ماكان وتم حصر أسباب الإخلاء في أربعة أحوال لا خامس لها كما وردت بنص المادة 18 ، وقد جاء مطلقاً في حوالي 15 كلمة لم تفرق بين التجاري أوالسكني أو الإعتباري، بل جاءت عامة مطلقة.

وقد أثير الكثير من اللغط في كون حكم المحكمة الدستورية الصادر يوم 5 مايو 2018 خاص بالتجاري الإعتباري فقط، وهذا الأمر مخالف للدستور والقانون وقد شرحت هذا المحكمة الدستورية في الحكم الصادر بتاريخ السبت الأول من ديسمبر 2018 برقم 161 لسنة 37 قضائية دستورية والتي شرحت في أسبابها بأن نص المادة 18 من القانون 136 لسنة 81 قد جاءت عبارات ذلك النص بصيغة عامة ومطلقة لتشمل الأماكن المؤجرة لغرض السكنى أو لغير هذا الغرض، المؤجرة لأشخاص اعتباريين أو لأشخاص اعتبارية عامة كانت أو خاصة، ولم يرد بنص المادة 18  المُشار إليها أي تقييد لهذا الإطلاق، فيما خلا عقود إيجار الأماكن المفروشة فلا يسري عليها قواعد الامتداد في قانون الإيجار.

ومن ثم تكون المحكمة الدستورية قد شرحت في هذا الحكم اللاحق أن نص المادة عامًا وليس خاصاً وبذلك يكون حكم المحكمة الدستورية قد قضى بإلغاء هذه المادة على إطلاقها ولم يفرق بين السكني و التجاري أو الأشخاص الاعتبارية الخاصة أو العامة حسبما ورد بأسباب حكم المحكمة الدستورية، وبهذا يكون هذا النص غير دستوري بمجرد القضاء بعدم دستوريته، ويصبح هو والعدم سواء في مواجهة جميع المخاطبين بهذا النص ومن ثم تعود العلاقة الإيجارية لأحكام القانون المدني وهو العام، بعد إلغاء التقييد الوارد في القانون الخاص بحكم المحكمة الدستورية، وتصبح جميع القواعد والأحكام الخاصة بالقانون المدني، وذلك فيما يخص جميع الإيجارات في جمهورية مصر العربية.

وأن ما ورد من لغط في مفهوم الحكم الصادر بجلسة 5/5/2018 والذي ألغت به المحكمة الدستورية وقضت بعدم دستورية صدر المادة 18، جاء بسبب كلمة «"لتشمل" الأشخاص الاعتبارية»، وليس حصراً على الأشخاص الإعتبارية التجارية، حيث أن الحكم بعدم الدستورية لا يكون إلا مطلقًا عامًا غير مقيد بأي قيد من القيود، وإضافة كلمة «لتشمل» تعد «بالإضافة إلى» وليس تقييدًا لنص الحكم.

ولأن قضاء هذه المحكمة قد جرى، على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة إرتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع، ولذا فقد كان الحكم  «بعدم قبول الدعوى» حيث أن المحكمة قد سبق وقضت بجلسة 5/5/2018  في الدعوى رقم 11 لسنة 23 قضائية دستورية بعدم دستورية الفقرة الأولى من صدر المادة 18 من القانون 136 لسنة 81.

كما يتضح من أوراق الدعوى رقم 161 لسنة 37 قضائية دستورية أن عقد الإيجار المبرم بين المؤجر ووزارة الصحة والسكان كمستأجر كان بغرض إقامة مكتب لرعاية الطفل وهذا بالطبع يعد مستأجر إعتباري سكني، إذ أن المكان بموجب العقد خصص لرعاية أطفال أيتام، وعليه يكون الإعتباري السكني قد شمله حكم المحكمة الدستورية الصادر يوم 5/5/2018 والخاص بعدم دستورية الفقرة الأولى من صدر المادة 18 من القانون 136 لسنة 81، ولأن جميع القوانين لم تفرق بين السكني سواء إعتباري أوطبيعي، كما أن المادة 18 المحكوم بعدم دستورية الفقرة الأولى منها جاء نصها مطلق دون تقييد كما أوضحنا سابقاً، وعليه تكون المراكز القانونية للسكني الإعتباري والسكني الطبيعي متكافئة ومشمولان بحكم 5/5/2018، وهكذا يكون نطاق حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية صدر المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 81 اللاحق للقانون 49 لسنة 77 ومادته رقم 29 مرتبطة بالمادة 18 إرتباطاً وثيقاً لا يقبل التجزئة، وبذلك تكون المادة 29غير دستورية أيضاً ولا يُقبل العمل بها.

وبذلك يكون حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية صدر المادة 18 قد شمل ووضع نهاية كاملة للعمل بقوانين الإيجار القديم بكافة أنواعها، وأكد ذلك الشمول حكم الدعوى 161 لسنة 37 قضائية دستورية.

قد يتفق معي من يتفق وقد يخالفني الرأي أخرين ولكن هذه رؤيتي وللجميع تقديري وإحترامي.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*