عندما تتكلم الأذن

فمن الملاحظ أنه طغت في الفترة الأخيرة ثقافة "الببغاوات"، وهي التكرار الأعمى لوجهة نظر الإعلاميين دون تفكير فيما يرددون، كأنهم اكتفوْا بدور الأذن في خلْق المعلومة واللهث وراء ترسيخها وجعلها مُسلَّمةً لأي تصورات حولها، ورفض أي نقد لها حتى إن كان النقد بغرض تقديم المعلومة الصحيحة أو الخبر الصادق لها.

ومما يزيد الأمر تعقيدًا وسوءًا، أنه لم يقف الموضوع عند فئة عمريّة معينة، أو مستوى اجتماعي معين، بل تعدى ذلك، كأنه وباء تفشّى في المجتمع ولا سبيل لاحتوائه.

ففي إحدى الجلسات، تمت إثارة موضوع ما، وأخذ الجالسون يتجاذبون أطراف الحوار، وإذا برجل أربعيني يتمسك برأي واحد بعصبية غير مبرّرة، كأنه يحارب من أجل فرْض رأيه على الباقين، دون محاولة منه لفهم أو مناقشة أي رأي مختلف معه، أو مجرد تحري الدقة في الرأي الذي يحاول فرضه.

فتوجّهت إليه متسائلة: من أين لك بتلك المعلومات؟ فأجاب مُسرعًا: سمعت "فلان" وهو مذيع بإحدى القنوات الفضائية الخاصة يقول هذا الكلام على الهواء!!

فقلت له: وما أدراك أنه على صواب، أو هل تحرّيت مدى دقة المعلومة أو الكلام الذي ذكره؟

فأجاب بعصبية تفوق المرة الأولى: "إن فلانًا لا يمكن أن يكذب"، وأخذ في مدحه، وكأن الأمم اتفقت عليه وأنا في غفلة من أمري، أو غيبة من الزمن.

وتعجبت لذلك، إذ كيف يصل بنا الحال إلى هذا الوضع وهذا المستوى الفكري من عدم التثبت من المعلومة وتحري الدقة في الخبر، أو محاولة مناقشة الرأي المختلف معنا؟

وكيف نكتفي برأي شخص معين، مهما كان وضعه، ونرتضيه دون جميع الآراء المخالفة، ودون مالاستماع للآخر المختلف معنا، وكيف يستقيم ذلك وهو يتنافى مع أبسط مفاهيم الحوار وأساليب الثقافة؟

وكيف نختزل جميع الآراء والرؤى في شخص فرد واحد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*