ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم

"أنتم جيل فاشل عديم المسئولية.. جاحد.. اتكالي"، كان هذا رأي آبائنا في جيلنا، لكن لم تصمت، بل بنفس السرعة وفي الاتجاه المُعادي، رددنا عليهم: "أنتم جيل متجمّد تقليدي رجعي قُدَامى العصر والتفكير".

صراع متكرر بين الأجيال، حدث ولا يزال يحدث، بنفس الكيفية وبنفس الوتيرة وفي الاتجاه العادي، والسبب ببساطة، لأننا لم نتطرق لمعالجة الأسباب، فتكثر المواقف، وتزداد الفجوة اتساعا بين جيل الآباء وبين جيل الأبناء، حيث آباء تربوا على قراءة الكتب، وحضور الندوات العلمية، يربون أبناءً جاءوا في زمن التليفزيون والكاسيت، يصبحون آباءً لأبناء جاءوا في زمن الإنترنت والحداثة، وهكذا تمضي الأحداث.

يُتَّهم الجيلان السابقان بالجهل.. فتجد جيلا ولد في صخب السوشيال ميديا والفيس بوك ووسائل التواصل الاجتماعي المتعددة، فلا ينتصر لأحدٍ من الأجيال السابقة نهائيا.

لن تنتهى تلك المشكلة بسهولة، بل ستتفاقم، وتزداد، بتقدم الزمن وتقدم وسائل الاتصال وتقدم العلم، والصراع البشري على تملُّك وسائل التكنولوحيا الحديثة، لا سيما أسلحة الدمار الشامل، إلى جانب ما يعتمل داخل النفس البشرية، من حب التملك والسيطرة، حتى لو أدى ذلك إلى فناء البشر والحياة لمدنٍ أو شعوبٍ بأكملها، كما حدث من قبل في أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن الماضي، والحرب العراقية الإيرانية، وقبل هذا وذاك، الاضطهاد المسيحي والحروب الصليبية، وغيرها من الأحداث التي غيّرت وجه الخريطة الأرضية، وما نتج عنها من ضحايا ومآسٍ، لا تزال تعاني منها البشرية حتى الآن.

 فعلى سبيل المثال لا أكثر، لو دققنا في كلمة جيل، التي تعني حقبة زمنية معينة، تتراوح من 23 – 30 سنة، وهي فترة ما بين ولادة الأبناء وزواجهم وولادتهم، مارين بمتغيرات وأحداث عدة، تجمع في النهاية مُحصلة من التطورات سواء الخبرات الحياتية أو التكنولوجية الخاصة بتلك المرحلة الحياتية.

لكن في زمننا هذا، ومع كل هذا الصخب  والتقدم التكنولوجي والتوسع والانفتاح على العالم بشكل مذهل، أكاد أجزم أننا أصبحنا نضع جيلا جديدا بمعدل كل 5 سنوات، بل أصبحنا نرى جيلين في نفس الفترة متصارعين، لكن ليس صراع الزمن بل صراع الاختلاف على الفكرة، حيث نجد الطرفين، كليهما، متمسكا بمنطقه، ومنهجه، لكن كلا واحد منهما يتحرك باتجاهات مختلفة، ويتقابلان ليتخبطا ثم يبتعدا ثانية.

وبهذا الواقع الذي نعيشه، والواقع المتسارع والمتلاحق من التطورات والأحداث والتكنولوجيا التي لم تدع بيتًا إلا دخلته، بل سيطرت على كل مجريات الأمور في حياتنا، فلم يعد الصراع متوقفًا على أجيال متتابعة، بل تعدى الأمر إلى صراع في نفس الجيل الواحد، بفضل إيقاع الحياة السريع والتقدم المتلاحق الذي نحياه.

والسؤال الآن: هل ستشهد الحياة توقفا مؤقتًا أو "استراحة محارب" لالتقاط الأنفاس، أم سيظل التنافس والصراع محتدمين؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
*